صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

66

شرح أصول الكافي

كلام اخر في برهان الملازمة ثم إنه من الممكن اقرار بعض الملازمات العقلية كالملازمة بين استحالة التكليف بلا بيان وبين حكم الشارع بالبراءة ، فعلى افتراض استحالة التكليف المذكور يحكم الشارع بالبراءة ، أو يوافق على الأقل حكم العقل بالبراءة ، وهذه الملازمة عامة مشتركة ، لان ملزومها عام مشترك في الوجدان العام البشرى ، وليس استحالة التكليف بلا بيان رأيا خاصا اتخذه فرد على حساب مباد ثابتة عنده ، بل هي رأى عام اتخذته الانسانية على حساب مباد عامة ثابتة عند جميع افرادها ، فهذه الملازمة اذن برهان عام يمكن اصدار رأى فقهى على ضوئه ، لكونه حجة متعدية ، وليس العقل العام المحتج به هاهنا من العقل المردود عليه شرعيا في النظام الفقهي والمقول فيه : دين اللّه لا يصاب بالعقول . فان العقل العام أساس الاحتجاج كله ، فإذا رد عليه لم يبق شيء يركز عليه الدعوة السماوية ، ولبطل الحساب والكتاب وبطل كل شيء وانهار كل قانون . بل العقل المردود عليه هو العقل الخاص النظري البرهاني الّذي قد يصيب وقد يخطى بتدخل الوهم وتسلل علل المغالطات ، والغرض من الرد عليه سلب التشريع عنه وحجره عن تناول احكام اللّه ومنعه عن مصادرة سائر الآراء باسم دين اللّه تعالى على حساب أصوله الخاصة غير المضمونة ، فإنه لو لم يرد عليه لمحق الدين واختلقت أديان شخصية مسولة ولغت الدعوة والبعثة وضل الناس ضلالا بعيدا وفسدت السماوات والأرض . وليس المراد من الرد على العقل الرد على مثل القياس فحسب ، كما يظنه عدة من المحققين ، بل المراد هو الرد على العقل من حيث زعمه قدرته على ادراك احكام اللّه من دون الرسل والحجج عليهم السلام ، وهذا الرد بظاهرة ينفى حتى الحجية الخاصة عن العقل الخاص لكن بنفي مبدئه . فالشرع « بناء على ما قد يستظهر هنا » يخبر عن عدم حصول برهان حقيقي على حكم شرعي ، لا انه يقره ثم ينفى حجيته ، فان هذا محجوج عليه بالعقل العام ، وبعد فللكلام ذيل طويل .